عَلى وَجنَتَيهِ تَرَكَت نُدبَةً تَفوقُ آلامَ الصَّقرِ حينَ يَنكَسِرُ جَناحُه. طَبَّقَ شَقيقُهُ الأصغَرُ راحَتَي كَفَّيهِ عَلى حَنجَرَتِهِ، وصَلَبَ رَأسَهُ عَلى حائِطِ الخَديعَة، فَتَرَقْرَقَت عَيناهُ بِدُموعٍ حَبَسَتها الأيّامُ في مَقلَتَي الحُزنِ الطَّويل. أرادَ تَقويمَ شَقيقِهِ الأصغَر، فَتَرَكَتهُ الأُمُّ يَنزِفُ عُمُرَهُ عَلى كَفِّ شَقيقِه.
كانَت أيّامُ طُفولَتِهِ تَغوصُ في أغوارِ لَيلٍ يَسحَبُ أنفاسَهُ مِن قَلبِ شاعِر، وَسَطَ خَمسَةٍ مِنَ الأشِقّاء، بَينَهُم أنثى وَحيدَةٌ مِنَ الأب، عاشَت طُفولَتَها حَتّى الصِّبا في أحضانِ الأُمِّ المُطَلَّقَة. هَرَبَت مِن جَحيمِ القَسوَةِ في بَيتِ الأب، قَسوَةِ زَوجَةِ الأبِ عَلى ابنِها البِكر، تَستَبيحُ أن تَرسُمَ عَلى قَلبِهِ وَجهَ خَطيئَةِ أشِقّائِهِ وَحَماقَتِهِم.
في مَرحَلَةِ الطُّفولَة، حينَ كانَتِ الشَّمسُ تَشُقُّ طَريقَها إلى رَبيعِ الأملِ عَلى وَجنَتَي الحَياة، كانَت تَغيبُ مُجبَرَةً حَتّى لا تَتَجَدَّدَ آلامُها حينَ تَكونُ شاهِدَةً عَلى نَزعِ الأُمِّ طُفولَةَ ابنِها البِكر، وَتَدوسَ بِقَدَمَيها عَلى آخِرِ ما تَبَقّى مِنهُ. يَكادُ قَلبُهُ أن يُخلَعَ مِن صَدرِهِ، وَصُراخُهُ يَشُقُّ وَجَعَ كُلِّ أُمٍّ إلى نِصفَين، إلّا أُمَّهُ.
تَتَلَقَّفُهُ أيادي أنثى صَغيرَةٍ تَحنو عَلَيهِ حينَ كانَت تَملأُ دَلوَها مِن حَنَفِيَّةِ المياهِ الوَحيدَةِ في الدّار، تَغسِلُ آلامَهُ وَتَمسَحُ دُموعَ طُفولَتِهِ المُعَذَّبَة في قَلبِ أُمٍّ لا يَعرِفُ الرَّحمَة. مَشهَدٌ يَوميٌّ يُبكي الحَجَرَ والشَّجَرَ والجُدران. صَداهُ زِلزالٌ في قَلبِ الصَّغير.
تَخرُجُ مِن مَكتَبَتِهِ الصَّغيرَةِ حُروفُ الكُتُبِ لِتَكتُبَ سيناريو جَديدًا يَفوقُ كُلَّ تَصَوُّر. حينَ تَكوي دُموعُ البَراءَةِ الحَسَد، تُصبِحُ روحًا أُخرى تَنتَفِض، تَملأُ الدُّنيا صُراخًا في فَضاءِ الصَّمت.
تَكتُبُ الحُروفُ أنَّ تِلكَ الأُمَّ، حينَ نَزَعَت مِن صَدرِها دَقّاتِ القُلوب، تَجلِدُ نَفسَها عَلى أعتابِ مَعابِدِ هَوى النَّفس، في إسقاطِهِ عَلى طِفلِها البِكر، وَكأنَّها كانَت تَجلِدُ حَياتَها الحَزينَة عَلى وَمَضاتِ زَوجٍ لا يَعشَقُ إلّا نَفسَهُ، وَلا يُثيرُ إلّا غَيرَتَها عَمدًا أمامَ الأهلِ والأقارِب؛ لِيَظهَرَ كَفارِسٍ بِلا جَوادٍ تَعشَقُهُ بَناتُ حَوّاء، وَهُوَ الوَسيمُ الَّذي يَسكَرُهُنَّ بِحورِ العُيونِ والغَزَلِ العَفيف.
وَتَكتُبُ الحُروفُ عَلى ضَوءِ لَمبَةِ الجازِ أنَّ الفَراشاتِ حينَ يَجذُبُها ما تَبَقّى مِنها مِن أنفاس، تَذوبُ روحُ الأملِ في سَوادِ اللَّيلِ الحَزين، فَلا تَرى نَفسَها وَلا يَراها الآخَرون، في لُغَةٍ تَعكِسُ حَياةَ الضَّبابِ الَّتي يَعيشُها الطِّفلُ البِكر، عَلى أنغامِ النّايِ الحَزين، ذلِكَ النّايُ الَّذي تَكويهِ بِهِ الأُمُّ عَلى نارٍ هادِئَة، وَكأنَّها تَمحو لُعوبِيَّةَ زَوجِها. ذَنبُ طِفلِها البِكرِ أنَّهُ كانَ يُشبِهُ أباهُ في مَلامِحِ الوَجهِ وَخُطواتِهِ.
تَكتُبُ الحُروفُ أنَّ الإخوَةَ الخَمسَةَ اجتَمَعوا عَلى السَّكَنِ في دارٍ تَقطَعُ الأملَ عَن حَياةِ الأخِ الأكبَر. إنَّهُم كَإخوَةِ يوسُفَ حينَ اجتَمَعوا عَلى أن يُلقوهُ في غَياباتِ الجُبِّ.
تَكتُبُ الحُروفُ أنَّ الصَّمتَ شَريكٌ آخَرُ في مأساةِ الأخِ الأكبَر، حينَ تَرَكَهُ الأبُ فَريسَةً لِنِزاعاتِ الأُمِّ، الَّتي تَجلِدُهُ في مِحرابِ قَداسَةِ الأُمومَةِ المُمَزَّقَة.
هَكَذا كانَ يَتَصَوَّرُ الحُروفَ تَخرُجُ مِنَ الكُتُبِ لِتَتَحَوَّلَ إلى جَسَدٍ يُشبِهُ جَسَدَهُ، الَّذي أصبَحَ رِحلَةً في طَريقِ الهَلاك؛ هَلاكِ القيمَةِ الَّتي يَحمِلُها، وَهَلاكِ ضَميرِ إخوَتِهِ الَّذي يَميلُ في حَضرَةِ الهَوى.
قَطَعَ طَريقَ الصَّمتِ المَحفورَ بِمَطَبّاتِ الحَياة، هُجومُ أُمِّهِ عَلَيهِ كَالمَسعورَة حينَ طالَبَها بأن تُطالِبَ بِميراثِها في الأرضِ الَّتي أَكَلَها إخوانُهُ، حَتّى تَنبُضَ حَياتُهُ وَحَياةُ إخوَتِهِ. طَرَحَتهُ أرضًا، وَجَرجَرَتَهُ مِن قَدَمَيهِ، وَهُوَ يَصرُخُ صُراخَ طِفلٍ يَكادُ يَفقِدُ الحَياة. كانَ مَشهَدًا مَحفورًا في ذاكِرَتِهِ، فَلا تَلينُ صَخرَةُ الأُمومَة، وَلا تَتَداوى جِراحُ الطُّفولَة.
وَمَرَّتِ السِّنون، وَكَبُرَ الطِّفلُ الأكبَر، وَكَبُرَت مَعَهُ جِراحُهُ، وَتَخَرَّجَ مِن إحدى كُلِّيّاتِ القِمَّة، لَكِنَّ دُروبَ الحَياةِ حَطَّمَت أحلامَهُ عَلى صَخرَةِ الأمل، فَأصبَحَتِ البَطالَةُ نَوعًا آخَرَ مِنَ العَذابِ لَم يَعرِفهُ مِن قَبل. وَجَدَتِ الأُمُّ ضالَّتَها لِتُمارِسَ سَطوَتَها عَلَيهِ، وَبِنارِ التَّنبيطِ كانَت تَكويه.
وَذاتَ مَرَّة، زارَها أشِقّاؤُها الثَّلاثَة، فَجَلَدوهُ بِألسِنَةٍ حِداد، لِعَجزِهِ عَن شَقِّ طَريقِ الفَلاحِ كَسائِرِ أقرانِهِ الَّذينَ لَعِبَتِ الواسِطَةُ والمَحسوبِيَّةُ دورًا كَبيرًا في تَعيينِهِم في بَعضِ القِطاعاتِ الحُكومِيَّة. زادوا مِن آلامِهِ بَدَلًا مِن مُداواتِها. جَميعُهُم مِن ذَوي الأملاكِ والأطيان، وَلَم يُجبِرهُ أحَدُهُم عَلى البَحثِ عَن واسِطَةٍ تُعينُهُ عَلى مَتاعِبِ الحَياة، كَما فَعَلوا مَع أبنائِهِم، وَدَفَعوا أموالًا طائِلَةً لِتَعيينِهِم في القِطاعِ المَصرِفيِّ والبِتروليِّ.
فَقَط لا يَملِكونَ سِوى صَلبِهِ عَلى جِدارِ البَطالَةِ الَّذي لا يَنكَسِر. خَرَجوا مِنَ الدّار، وَلَم تَخرُج مِن جَسَدِهِ جِراحُهُمُ العَميقَةُ الَّتي تَنزِفُ في صَدرِهِ.
نَظَرَت إلَيهِ أُمُّهُ هَذِهِ المَرَّةَ بِصَمتٍ ثَقيل، وَكأنَّها مَزَّقَت جَسَدَهُ إلى أشلاء. فَقَدَ بَعدَها النُّطق، وَأُصيبَ بِحالَةِ اكتِئابٍ عَجَزَ الأطِبّاءُ عَن عِلاجِها.
وَمَرَّتِ الأيّامُ حَتّى تَجاوَزَ الثَّلاثين، وَخَرَجَ إلى الشَّوارِعِ هائِمًا، بِلِحيَةٍ طَويلَة، وَشَعرٍ يَسكُنُهُ المَرَض، وَعَينَينِ لا تَعرِفانِ طَريقَ الحَياة. يَسيرُ في دُروبِ الوَجَعِ عُنوانَ مَصيرِهِ، الَّذي كَتَبَتهُ أُمُّهُ بِخُطىً عَلى ضَريحِ اليُتمِ والنِّسيان.
وَكُتِبَ عَلى صَدرِهِ:
*إنَّ اليَتيمَ الحَقيقيَّ لَيسَ الَّذي فَقَدَ أبَوَيهِ أو أحَدَهُما، بَل مَن فَقَدَ الحَنانَ في حَضرَةِ أحَدِهِما. فَما أقسى اليُتمَ في حَضرَةِ قَسوَةِ الأُمِّ.*
-------------------------------
بِقَلَم: أبو المَجد الجَمّال







